محمد بن جرير الطبري
83
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الإِبانة في الطعام عن معنى الفدية الواجبة على من أفطر في صومه الواجب ، كما يقال لزمني غرامة درهم لك ، فتبين بالدرهم عن معنى الغرامة ما هي وما حدها ، وذلك قراءة عظم قراء أهل العراق . وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ : " فدية طعام " بإضافة الفدية إلى الطعام ، لأَن الفدية اسم للفعل ، وهي غير الطعام المفدي به الصوم . وذلك أن الفدية مصدر من قول القائل : فديت صوم هذا اليوم بطعام مسكين ، أفديه فدية ، كما يقال : جلست جلسة ، ومشيت مشية ، والفدية فعل والطعام غيرها . فإذا كان ذلك كذلك ، فبين أن أصح القراءتين إضافة الفدية إلى الطعام ، وواضح خطأ قول من قال : إن ترك إضافة الفدية إلى الطعام أصح في المعنى من أجل أن الطعام عنده هو الفدية . فيقال لقائل ذلك : قد علمنا أن الفدية مقتضية مفديا ومفديا به وفدية ، فإن كان الطعام هو الفدية والصوم هو المفدي به ، فأين اسم فعل المفتدي الذي هو فدية ؟ إن هذا القول خطأ بين غير مشكل . وأما الطعام فإنه مضاف إلى المسكين والقراء في قراءة ذلك مختلفون ، فقرأه بعضهم بتوحيد المسكين بمعنى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين واحد لكل يوم أفطره . كما : حدثني محمد بن يزيد الرفاعي ، قال : ثنا حسين الجعفي ، عن أبي عمرو : أنه قرأ طعام مسكين " فدية " رفع منون " طعام " رفع بغير تنوين " مسكين " . وقال : عن كل يوم مسكين . وعلى ذلك عظم قراء أهل العراق . وقرأه آخرون بجمع المساكين : " فدية طعام مساكين " بمعنى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين عن الشهر إذا أفطر الشهر كله . كما : حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي ، عن يعقوب ، عن بشار ، عن عمرو ، عن الحسن : طعام مساكين عن الشهر كله . وأعجب القراءتين إلي في ذلك قراءة من قرأ طعام مسكين على الواحد بمعنى : وعلى الذين يطيقونه عن كل يوم أفطروه فدية طعام مسكين ؛ لأَن في إبانة حكم المفطر يوما واحدا وصولا إلى معرفة حكم المفطر جميع الشهر وليس في إبانة حكم المفطر جميع الشهر وصول إلى إبانة حكم المفطر يوما واحدا وأياما هي أقل من أيام جميع الشهر ، وأن كل واحد يترجم عن الجميع وأن الجميع لا يترجم به عن الواحد ، فلذلك اخترنا قراءة ذلك بالتوحيد . واختلف أهل العلم في مبلغ الطعام الذي كانوا يطعمون في ذلك إذا أفطروا ، فقال بعضهم : كان الواجب من طعام المسكين لإِفطار اليوم الواحد نصف صاع من قمح . وقال بعضهم : كان الواجب من طعام المسكين لإِفطار اليوم مدا من قمح ومن سائر أقواتهم . وقال بعضهم : كان ذلك نصف صاع من قمح أو صاعا من تمر أو زبيب . وقال بعضهم : ما كان المفطر يتقوته يومه الذي أفطره . وقال بعضهم : كان ذلك سحورا وعشاء يكون للمسكين إفطارا . وقد ذكرنا بعض هذه المقالات فيما مضى قبل فكرهنا إعادة ذكرها . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم بما : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وعطاء ، عن ابن عباس : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فزاد طعام مسكين آخر فهو خير له ، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس مثله . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع عن سفيان ، عن خصيف ، عن مجاهد في قوله : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قال ، من أطعم المسكين صاعا . حدثني المثنى ، قال : حدثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ قال : إطعام مساكين عن كل يوم فهو خير له . حدثني المثنى ، قال : حدثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن حنظلة ، عن طاوس : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قال : طعام مسكين . حدثني المثنى ، قال : حدثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن حنظلة ، عن طاوس نحوه . حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ليث عن طاوس : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قال : طعام مسكين . حدثني المثنى ، قال : ثنا حجاج . قال : حدثنا حماد ، عن ليث ، عن طاوس ، مثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عمر بن هارون ، قال : ثنا ابن جريج ، عن عطاء أنه قرأ : فَمَنْ تَطَوَّعَ بالتاء خفيفة الطاء خَيْراً ، قال : زاد على مسكين . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ فإن أطعم مسكينين فهو خير له . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : أخبرني ابن طاوس عن أبيه طاوس : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ قال : من أطعم مسكينا